top of page
Search

ورود والزمن: الفصل الأخير

Updated: Mar 13


نهاية البداية


تمر الأيام متشابهات، تشرق الشمس من الشرق وتغرب في مغربها، الرتابة والملل يسيطرون على حياة الوردة التي ذبلت سريعا ولم يعد لها عبق. أدركت ورود أن مصطفى يعيش في عالم موازي ولا يكترث لما يحدث معها ولكي نكون منصفين هو لا يكترث لما يحدث معه حتى، هل فعلا موت زينب سحب منه الروح وتركه جثة هامدة أما أنه لم يكترث يوما وعاش حياة الطفل المدلل حتى وهو كهل؟ كانت ورود تشفق على حاله في كثير من الأحيان وتكرهه قليلا في بعض الحالات، أدركت بعد ان زال الإعجاب والانبهار أنها لم تحبه يوما وهنا أصبحنا أمام زوجين لم يحب أحدهما الآخر، أحدهما عاش حياته وقرر أن يكون قبل الأوان وآخر لم يرى شيئا يذكر بعد. كانت المعادلة ظالمة لورود في كل الأحوال، وهنا جلست ورود في عيد ميلادها التاسع عشر تفكر في حل يخرجها من جحيم مصطفى الحاضر الغائب أو بالأحرى الغائب الغائب الذي أحضرها إلى باريس بفيزا سياحية انتهت بعد شهر من وصولها وكان بقاؤها في البلد بعدها بصورة غير قانونية أو كما يسميها الجزائريون أصبحت حراقة وزوجها لم يأبه بذلك ولم يحاول تسوية وضعيتها.


بعد وقت قصير جدا اكتشفت ورود أنها تعيش مع نرجسي تحت سقف واحد وخلاصها منه شر لابد منه أو ربما يكون الخير كله. لم تعلم ماذا تفعل ولجأت إلى كتبها التي أحضرتها معها من الجزائر كي تسليها وقت فراغها الذي أصبح يشغل حيزا كبيرا من يومها فبعد التنظيف وإعداد الطعام لا تجد شيئا تفعله، لم تكن من محبي مشاهدة التلفاز لساعات طويلة فهذه كانت هِواية مصطفى الذي كان يقضي معظم يومه أمام الشاشة.


هل يمكن لأحدنا أن يشيخ فجأة؟ كيف لمواقف معينة أن تسرق منا سنوات من عمرنا وتجعل منا أجسادا بالية تتوق إلى الرحيل, الرحيل بعيدا جدا عن هدا العالم المليء بالمآسي والآلام، في أحد المرات وهي تنظف غرفتها وجدت جواز سفرها ودفترها العائلي الذي خط فيه إسمها وإسم مصطفى إلى جانب تاريخ العشرين من يناير وهو يوم عقد قرانها ونظرت إليه على أنه مذكرة توقيف لها على جريمة لم ترتكبها، مذكرة اشتملت على حكم غير مرئي في سجن رجل سرق منها بهجة الحياه وجعلها جسدا وهنا بلا روح. 

نظرت إلى الوثيقتين وهي تفكر بعمق، كلاهما لعب دورا في نقلها من شبه حياة إلى جحيم، وهنا قررت أن تتخلى على إحداهما وهو ما يربطها بمصطفى بينما أبقت على جواز سفرها الذي قد يكون تذكرة عودة إلى شبه الحياة وسط من تحبهم أو ربما وسيلة وصول إلى حياة أخرى أجمل بكثير، فجأة انتابتها نوبة من الغضب وأخذت تمزق الدفتر إلى قصاصات صغيرة جدا ثم حملت القصاصات ووضعتها في حوض المطبخ وأحرقتها، لم ينتبه مصطفى لشيء لأنه كان في حالة بين النوم واليقظة أو ربما في حالة من السكر الشديد الذي خدر كل حواسه بما فيها حاسة الشم، كانت القصاصات تحترق ببطئ حتى صارت رمادا، برد الرماد وبرد معه كل ماكان يحرقها، توجهت نحو الأريكة حيث كان مصطفى ملقى ونادته بطبقة صوت عالية لم تعلم من قبل أنها تملكها فانتفظ مفزوعا، "خير، وشبيك، هبلتي"، فأجابت " نعم أصابني الجنون بعد كل أشهر الإهمال والسجن، فقدت عقلي عندما عرفت أنك أخرجتني من جامعتي كي تقضي على مستقبلي التعليمي، لم يعد بي عقل يعي شيئا بعدما اكتشفت أنني مقيمة في هدا البلد بطريقة غير شرعية، حرام عليك ما تفعله بي، أتركني أذهب في حال سبيلي لعلي أجد سبيلا للحياة مجددا بعد أن قتلت في كل ماهو جميل…" كانت أول مرة ينظر فيها مصطفى لورود على أنها امرأة لها كيان فهو قبل هذا كان يراها فتاه ساذجة لا حيلة لها، كان شعوره مزيجا من الدهشة والإعجاب فحاول تهدئتها لكنها لم تهدأ هذه المرة وكانت مستعدة لكي تقول وتفعل أي شيء في سبيل حريتها، لقد أعلنتها ثورة ولن تسكت حتى تستعيد حريتها… 

ورود الهادئة الرقيقة تحولت إلى وحش لم يكف عن الصراخ ولا لحظة ولم تترك زجاجا في البيت إلاّ هشمته، كانت الأرض مليئة بشظايا الزجاج، وقف مصطفى مذهولا ولم يقل شيئا وبعد دقائق سمعوا طرقا على الباب، كان الجيران قد اجتمعوا لمعرفة ما يحدث وهنا فتحت ورود الباب وأخبرت الجميع أن زوجها يحبسها ولا يسمح لها بالخروج وهنا تقدمت أحد السيدات لكي تحتضن ورود التي انهارت بعد البكاء والصراخ المستمرين وكانت الكدمات تغطي جسمها مع نزيف في بعض أطرافها وهنا سألتها السيدة بلهجة جزائرية "ضربك الحلوف؟" لم تعي ورود السؤال للوهلة الأولى ثم تذكرت أنها جرحت نفسها وهي تكسر كلما تجده في طريقها فردت" لا لم يضربني، أنا جرحت نفسي بالخطأ". 

كان مصطفى يراقب انتفاضة زوجته في دهشة شديدة وبضغط من الجيران قال لها:" خذي اشياءك واذهبي لم أمنعكي من الخروج" وهنا كانت فرصة ورود في الهروب أخيرا من هذا السجن الذي عاشت فيه سنه كاملة لم تعرف فيها سبيلا للسعادة، جهزت حقيبتها بسرعة بينما غادر الجميع ولم يبقى معها غير مصطفى الذي طلقها شفاهيا في حظور خالتي مسعودة، الجارة الجزائرية الأصل التي آوت ورود في بيتها ليومين كاملين قبل أن تجد لها مكانا جديدا مع فتيات عاملات وعرفتها على صاحبة محل الملابس الذي بدأت العمل به واستمرت على ذلك الحال لسنوات لم تجد خلالها وسيلة لتسوية وضعها. 


كانت ورود تحلم بقصة نجاح ملهمة بعد هروبها من جحيم اللامبالاة والإهمال، فضلت أن تعيش في شقة القبو على أن تعيش في بيت الزوجية الذي كانت فيه الأريكة أكثر أهمية منها، بعد سنوات من الغربة في ظروف أقل ما يقال عنها أنها كانت بائسة، حاولت أن تخرج إلى النور وأن تنعم بحياة أفضل لكن من دون شهادة ولا أوراق ثبوتية كانت بالكاد تدفع إيجار غرفتها وباقي مصاريفها، في بعض الأحيان كانت ترسل بعض اليوروهات إلى أهلها كي تساعد في تعليم أخويها.


في صبيحة الحادي والعشرين من يناير ٢٠٢٢ استيقظت ورود على صوت المنبه ولكن بدل النهوض مسرعة كي تتوجه إلى عملها قررت البقاء في مكانها محدقة في سقف الغرفة الذي غطاه العفن بسبب الرطوبة وهنا تذكرت سقف غرفتها في العاصمة الجزائرية وكيف كانت شمس الصباح توقظها مع صوت والدتها، هنا أخذت القرار الذي طالما أخافها وهو الرجوع إلى بلدها، قبل هذا اليوم كانت تحلم بتغيير واقعها قبل الرجوع، لم ترد العودة خاوية الوفاض فبعد كل هذه السنوات من الزواج في الغربة يتوقع منها أهل بلدها الكثير وقبل هذا اليوم لم تتحل بالشجاعة الكافية للإجابة على كل الأسئلة والانتقادات اللاذعة التي ستطالها وأهلها لا محالة.


نهظت سريعا وتحركت وكأنها تنفض غبار السنين عنها وبدأت في حزم أمتعتها دون تفكير، كلمت أحد صديقاتها كي تساعدها في حجز تذكرتها وأخبرتها عن كل الإجراءات المتخذة في مثل حالتها ولم يبق لها شيء تفعله غير توديع زميلاتها في السكن والعمل وهنا قررت أن تفعل ذلك شخصياً وليس عبر الهاتف ،فقصدت مكان عملها لأول مرة دون قلق وكأن قرار المغادرة هذا قد حررها من قيود أو سلال لم تكن مرئية لكنها كان تشعر بثقلها في كل صباح، ودعت الجميع وكأنها لن تعود أبدًا، توجهت نحو المطار بحقيبة واحدة، رغم أن جوزها غير منتهي الصلاحية بعد إلا أنها كانت تعلم أن الشرطة في البلدين قد تحقق معها وهذا ما حصل بالفعل وبإخبراها لهم بكل ما حصل معها لم يكن هناك سبب يمنعهم من الرجوع إلى الجزائر لأنها لم تقحم نفسها في أي نوع من المتاعب التي قد تحول بينها وبين تذكرة العودة إلى مسقط رأسها. لم تخبر أحدًا من أهلها بقرار عودتها وفور خروجها من المطار استقلت سيارة أجرة متجهة إلى حومتها، بعد كل تلك السنوات كان لهواء البلاد تأثيرا كبير عليها، أخرجت رأسها قليلا من نافذة سيارة الأجرة وأغمضت عينيها وهي تستنشق هواء العاصمة الذي رغم اختلاطة بالكثير من الغبار ودخان السيارات كان كالادرينالين الذي حقن لكي ينعش قلبا يحتضر، وصلت إلى شارع بيتها الذي لم يتغير كثيرا، نزلت من السيارة واتجهت مسرعة نحو باب العمارة ثم باب البيت ولم يعقها حمل الحقيبة عن الإسراع في صعود السلالم حتى وصلت إلى الباب وهنا دقت الباب في عجل لتفتح لها والدتها وهي في دهشة من أمرها...


النهاية.




250 views6 comments

Recent Posts

See All

6 Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
NASSIM BOUALI
NASSIM BOUALI
Nov 24, 2023
Rated 5 out of 5 stars.

من أروع ماقرأت 👌👍

Like
Farida Reguig
Farida Reguig
Nov 24, 2023
Replying to

☺️ شكرا

Like

Ahmed Samy
Ahmed Samy
Nov 24, 2023
Rated 5 out of 5 stars.

حبيت

Like
Farida Reguig
Farida Reguig
Nov 24, 2023
Replying to

شكرا 🙏🏻

Like

Unknown member
Nov 19, 2023
Rated 5 out of 5 stars.

كما وعدتينا دائما، قمه في الإبداع

و مجال مفتوح لتخيل ما بعد النهايه ....

Like
Farida Reguig
Farida Reguig
Nov 20, 2023
Replying to

شكرا 🙏🏻

Like
Post: Blog2_Post
bottom of page