top of page
Search

ورود والزمن٢

Updated: Nov 17, 2023

الفصل الثاني: بين اللامبالاة والإهتمام


دخلت الزبونة وابنتها المحل وكانت ورود تراقب يدا الطفلة المتسختان إلا أنها لم ترد إرباكها لأنها لم تلمس شيئا بعد، وظلت تتابعها بعينها حتى توارت عن أنظارها فقررت ملاحقتها وهي مبتسمة دون أن تلفت انتباهها، كانت الطفلة منبهرة بالأزياء وألوانها ولم تلاحظ قط أن أحدًا يلاحقها ولم تنتبه لوجود ورود إلا بعد سماع صوت خطوات سريعة تقترب منها وعندما التفتت وجدت يدا تنهال عليها وظنت للحظة أنها تريد صفعها فحمت وجهها بكفيها الصغيرتين لكن تلك اليد كانت تحمل منديلا مسحت به راحتي يديها قبل أن تلمس فستانا باهض الثمن ثم نزلت ورود إلى مستوى نظر الطفلة حتى لا ترهق عينيها الواسعتين بالنظر إلى أعلى وقالت لها "تفضلي عزيزتي، إمسحي يديك، يبدو أن لذة الكرواصون أنستكي مسحهما".


واجهت الطفلة عمل ورود هذا بابتسامة وكلمة شكر ومن جهتها الأم التي كانت تراقب الموقف بإعجاب شكرت ورود كثيرا واعتذرت على عدم ملاحظة اتساخ يدي ابنتها ثم غادرت المحل في هدوء بعد أن اشترت قميصا أبيض اللون لم يبدو أنها كانت تريد شراءه لكنها فعلت ذلك من باب الشكر والامتنان. بعد توديع الأم وابنتها عادت ورود إلى عملها كأن شيئا لم يكن، اقتربت منها صوفيا التي كانت ممتعضة قليلا من تحيتها الصباحية الباردة ولكنها فور ما فهمت السبب لأنها كانت ترى ما يحصل ثم قالت "عجبا لكي يا ورود كيف تعاملين كل الزبائن بلطف شديد حتى الأطفال مع أن شخصيتك الغير مبالية بما يقوله الآخرون قد توحي بعكس ذلك".


صمتت ورود قليلا ثم ردت عليها قائلة " قد لا يهمني ما يقوله الآخرون أو حتى ما يظنونه بي لكن يهمني كثيرا ما يشعرون به فأنا لا أريد أن أكون مصدر تعاسة أحد ولا حتى في الذاكرة "...أخذت نفسا عميقا ثم استطردت في الحديث:" عزيزتي صوفيا الأطفال مخلوقات حساسة جدا وكل ما يحدث معهم في هذا السن يؤثر في تكوين شخصيتهم وبناء كيانهم و... تحمست ورود وأرادت إكمال حديثها إلا أن هذا النوع من المواضيع بدا مملا بالنسبة لزميلتها الجميلة المولعة بمقاطع التكتوك وفضائح المشاهير. في اللحظة التي قررت فيها ورود السكوت دخلت زبونة كان على صوفيا مساعدتها وانصرفت صديقتنا إلى واجهة المحل لتتفقد تنسيق الملابس ونظافة الواجهة وبعد أن تأكدت أن كل شيء على مايرام اتجهت إلى المخزن وهي تفكر في كل ما فاتها بسبب عدم قدرتها على إكمال تعليمها العالي ورغم أنها لا تفوت فرصة استسقاء المعرفة من الكتب والمقاطع التعليمية إلا أن هناك شعورا دائما بالنقص يؤرقها ليلا وينغص عليها أيامها. في عامها الأول في الجامعة اضطرت إلى التخلي عن حلمها في التعليم بعد أن قرر والدها أنه من الأفضل لها أن تتزوج العريس الأربعيني الدي جاء خصيصا من الجانب الآخر للبحر المتوسط كي يخطف زهرة شباب ابنة الحي ذات الثمانية عشر ربيعا، أحست بألم يعتصر قلبها فور تذكرها ذلك وقررت أن تترك ألم هذه الذكرى وما تلاها إلى وقت لاحق من يومها.


بعد خمس ساعات كاملة من العمل، جاء وقت استراحة الغداء، يشترك الفتيات في صمتهن أثناء تناول الطعام، ليس اتباعا لقواعد الإتيكيت بل لكون كل منهن منغمسة في مشاهدة مقطعا ما وبينما كان الكل يشاهد مقاطع مضحكة وأخرى حول كيفية وضع المكياج بطرق سهلة ومبتكرة، كانت ورود مولعة بمقاطع Ted Talks. هذه المقاطع التي تثري مخزونها المعرفي بتنوعها واختلاف الأشخاص المواضيع التي يتكلمون فيها. كل ما تشاهده على اليوتيوب هو بمثابة باب من الأبواب التي تفتح لها عوالم موازية تطلق لخيالها الخصب العنان فترى نفسها تارة عالمة وجدت حلا لمعضلة وقف أمامها العالم عاجزا وتارة أخرى مصممة أزياء مستدامة تحل مشاكل البصمة الكربونية الكبيرة التي تخلفها صناعة الأزياء...


تنتهي استراحة الغداء لترجع الفتيات إلى واقعهن واضعين العالم الافتراضي في درج مشترك لأن مديرة المحل تمنع استخدام الهواتف المحمولة أثناء ساعات العمل.


يتبع...





224 views4 comments

Recent Posts

See All

4 Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
Rated 4 out of 5 stars.

من أجمل ما قرأت

Like

Rated 4 out of 5 stars.

راااااائعة

Like

Rated 5 out of 5 stars.

هل من الممكن معرفة المكان الذي تجري فيه أحداث القصة ؟

Like
Farida Reguig
Farida Reguig
May 18, 2023
Replying to

سيكشف عن ذلك في الجزء القادم

Like
Post: Blog2_Post
bottom of page