top of page
Search

في حينا لص ٣ (الصدمة)

كانت تمشي بخطوات سريعة أقرب إلى الركض من المشي وكأنها تهرب من شيء ما، أول ما رأت سليم شعرت بضيق شديد في صدرها وتسارعت دقات قلبها خوفا لا إعجابا وبدأت يداها تتعرقان من شدة التوتر كأن عقلها أحس بخطر محدق فقام دماغها بإفراز كميات هائلة من الأدرينالين الذي شغل عندها استجابة الكر والفرن وهنا اختارت كوثر الفر وتوجهت سريعا نحو بيت أهلها ودخلت غرفتها بنفس سرعة هروبها من مكتب الأستاذ محمد لم تعرف يومها أن المحامي الذي قابلها هناك في ذلك اليوم سيكون سبب تعاستها لسنوات وسيأخذ منها أغلى ما عندها ألا وهو التفاؤل وحب الحياة.


قصدت المكتب في اليوم التالي باكرا لأنها عرفت من والدتها أن ذلك المحامي المتدرب سيئ السمعة لن يكون هناك في كل صباح وبالفعل وجدت الأستاذ محمد جالسا وحده يحدق في ملف وهو وهو يهز رأسه وبدا عليه أنه في حالة تفكير عميق ولم يلاحظ دخول كوثر كما وألقت السلام إلا أنه لم يسمع سلامها، فقالت بصوت أعلى: "السلام عليكم"، وهنا انتبه ورفع رأسه وقبل أن يرد السلام حدق في كوثر لبضع ثواني بعينيه الصغيرتين من وراء عدسات نظارته السميكه وكأنه انتقل إلى مكان ما واحتاج تلك الثواني كي يرجع إلى الواقع. ثم رد عليها قائلا "وعليكم السلام سيدتي كيف بإمكاني مساعدتك"، فأجابت" أنا كوثر ابنة إبراهيم الكهربائي رحمه الله وأنا هنا بخصوص قضية الأرض التي تركها لنا والتي ان لم تساعدنا في استرجاعها أخذها أعمامي منا".وهنا طلب الأستاذ محمد من كوثر الجلوس ثم تناول ملف قضيتها وأنشأ يقرأ التفاصيل على مسمع منها وبعد بضعة أسطر قال لها لا تقلقي يا ابنتي سنرجع لكم حقكم لكن هذا النوع من القضايا يتطلب الكثير من الصبر ويجب علينا أن ننتظر ،سأحاول من جهتي أن أسرع في الإجراءات غير أن هذا النوع من القضايا يأخذ في العادة من عدة اشهر إلى بضع سنوات ،بعد سماع هذا الكلام شعرت كوثر بحزن شديد وفي نفس الوقت اطمئنت لأنه رغم الانتظار ستكون الأرض من حقهم في النهاية. وهنا شكرت الأستاذ محمد على رده وأخبرته بأنها سترجع لاحقا لمعرفة الإجراءات اللازمة والوثائق المطلوبة لكي يتقدم إلى المحكمة وقبل أن تستأذن وتغادر تذكرت موضوع الأتعاب وسألت الأستاذ محمد الذي لم يبد اهتماما كبيرا بالموضوع وطلب منها الكلام في موضوع النقود في وقت لاحق. وأن عليها الآن فقط ترك رقم هاتفها حتى يتواصل معها في حال احتاج شيئا.


رجعت كوثر بيتها لتودع أمها وتتجه نحو المدرسة التي كانت تعمل بها كمعلمة، كانت محبوبة جدا ليس فقط من قبل تلاميذها بل حتى أهاليهم وكل من معها في المدرسة. جمعت كوثر بين الطيبة والجمال وكان لها نصيب وفير من الذكاء والفطنة إلا أنها افتقدت لعنصر الخبرة فهي تربت في بيئة منغلقة على نفسها وحتى أقرب صديقاتها كن بنات عمها. كانت في سن الزواج وتقدم لخطبتها بعض الشباب من بينهم معلم زميل لها إلا أنها لم تقبل بأي منهم وكانت تحلم بشخص يشبه في صفاته أبطال القصص الرومنسية أو بمعنى أدق القصص الوهمية.


في الوقت الذي كانت فيه كوثر تعيش أياما عادية بين البيت والعمل كان سليم قد خرج من دور الكسول المحب للنوم إلى دور الصياد الذي يستقيظ باكرا حتى لا يفوت فريسته، صار يبدي اهتماما كبيرا بمظهره وحاول قدر الإمكان تقليص عدد السجائر التي كان يدخنها بشراهة من علبيتين في اليوم إلى بضع سجارات، لم يدخر وقتا ولا مجهودا في السؤال عن كوثر وبذلك عرف كل تفاصيل حياتها اليومية بما في ذلك ما تحب وتكره وقرر أن يكون كل ما تحب وأن يبتعد تماما عما تكره. خلال أسابيع قليلة فقط تحول من الشاب الخامل المنبوذ إلى رجل أنيق ونشيط يستميل كل من في الحي بتقديم لهم الخدمات البسيطة أو حتى المعقدة التي تتطلب مجهودا، وبعد أن كان لا يسلم على أحد صار يلقي السلام بابتسامة عريضة على كل من يمر به. أصبح حريصا على أن تراه كوثر سواء في الحي أو حول المدرسة وهو يلعب دور الرجل الخدوم الطيب صاحب الخصال التي تبحث عنها في فارس أحلامها وهنا انتبهت له ولكنه لم ينتبه لها فسألت نفسها قائله: " لماذا لا يسلم علي؟ أمعقول يكون قد نسي المرة التي زرت فيها المكتب"؟ ثم لماذا سمعت أنه شخص سيء وأنا أرى غير ذلك في تصرفات هذا الشاب؟ ربما هو شخص طيب آخر ظلمه المجتمع بأحكامه القاسية…"


في صباح يوم الخميس رن هاتف كوثر وردت فورا رغم أن الرقم المتصل غير معروف لديها وكان على الجهة الأخرى من الإتصال الأستاذ محمد الذي طلب منها إحضار بعض الوثائق اللازمة من أجل قضية الأرض وفور إنهاء الإتصال توجهت بسرعة نحو غرفة والدتها وأخرجت حقيبة جلدية قديمة كانت بمثابة المكان السري الذي تخفي فيه الأم كل الوثائق المهمة وبعد أن وضعت كل الأوراق المهمة في حقيبة يدها توجهت نحو مكتب الأستاذ محمد الذي كان على عجل حين وصلها وطلب منها إعطاء الوثائق لسليم الذي كان موجودا بعد أن غير روتينه منذ بضع أسابيع وصار من محبي الصباح والقيام باكرا. لم يرحب بها بحفاوة على غير عادته مع النساء بل كان سلامه باردا دون حتى أن يلتفت لأنه كان يقرأ شيئا وطلب منها الجلوس وعيناه على صفحات كتاب كان يقرأه، وفور وضعه للكتاب على الطاولة رأت كوثر العنوان وهنا قفز قلبها من الدهشة وحملته فورا دون استإذان قائلة بحماس"قواعد العشق الأربعون؟ هذا كتابي المفضل وحينها رد عليها بنفس الحماس "وأنا أيضا، أنا أقرأه للمرة الثانية ومازلت أجدني متحمس جدا لكل كلمة وسطر رغم أنني قرأته من قبل…" وهنا كان سليم يحدق مباشرة في عيني كوثر وهو مبتسم، نصف الابتسامه في عينه بينما النصف الآخر على شفتيه وهنا شعرت كوثر بنوع من الارتياح وبدأت بإخبار سليم بتفاصيل القضية وقبل أن تكمل كلامها نظرت في الساعة وأخبرته أنه يجب عليها الذهاب حتى لا تتأخر على حصتها الأولى وهنا رد سليم: أنتي طالبة اذن ؟ وأجابت هي تبتسم : لا أنا معلمة بمدرسة النجباء وهنا عرض عليها المشي معها إلى المدرسة لأنه يجب أن يذهب لرؤية أحد في مكان قريب من هنا، رحبت كوثر بالفكرة كفرصة لاخباره بالتفاصيل المتبقية بالقضية. كانت تخبره بأشياء أخرى غير القضية في وسط الكلام وهنا على غير عادة سليم أستاذ الكلام المعسول وخبير الغزل اكتفى بعبارة واحدة ألا وهي : ء"أنا كذلك"…كان مستمعا ممتازا طول الطريق إلى أن وصلت كوثر مدرستها وهنا ودع الاثنان بعضهما واتفقا على اللقاء في اليوم التالي لإكمال الحديث حول القضية بينما في الحقيقة كانت كوثر تريد معرفة المزيد عن سليم المنصت الذي يشبهها في الكثير من الأمور. أمضت يومها تفكر في ذلك الحديث الصباحي الشيق وما ان جاء يوم غد حتى سارعت إلى الذهاب إلى المكتب وبيدها بعض الأوراق التي كانت تريد أن تريها لسليم الذي كان ينتظرها وبيده فنجان من القهوة به القليل من الحليب وملعقة واحدة من السكر. ذلفت إلى المكتب وعلى وجهها ابتسامة صباحية بريئة وكان هو بدوره مبتسما وناولها فنجان القهوة فور دخولها قائلا" صباح الخير آنستي، قهوتك في انتظارك لا نريد أن تذهبي إلى عملك من دون قهوة وهنا تناولت الفنجان وشكرته وفور تذوقها للقهوة هتفت" ما هذا؟ كيف عرفت أنني أحب قهوتي هكذا؟ لو أنني حضرتها بنفسي ماكانت بهذه الدقة؟" وقبل أن تكمل كلامها قال: شخصية الإنسان ترتبط ارتباطاً غريبا بقهوته وأنا استشفيت من تعاملك نوع قهوتك، ليس على سبيل التأكيد ولكنني حاولت وأصبت". قالت في نفسها هو ذكي اذن وذكاء الرجل من أحد نقاط ضعفها التي كان يعرفها كلها سواء منها مباشرة أو عن طريق البحث المكثف الذي قام به قبل التقرب منها. كانت النقاط المشتركة بين الإثنين لا تصدق فكلاهما يحب نفس الكتب والأغاني وحتى الأكلات المفضلة كانت نفسها. توالت لقاءات الاثنين مصحوبة بمكالمات هاتفية طويلة لم يبح فيها أي منهمابمشاعره نحو الآخر إلا أن كل شيء كان يقول أن هذان العصفوران قد وقعا في شباك الحب وبدأت عصفورتنا تحلم بقفص ذهبي يجمعها مع توأم روحها الذي صارت لا تتخيل العيش من دونه ، وكأي شابة محترمة في سنها لم تقبل كوثر استمرار هذه اللقاءات ولا المكالمات دون مسمى رسمي للعلاقة يبعد عنها وعن أمها كلام الناس الجارح خصوصا وهي أصبحت تقابل سليم بشكل يومي حتى خلال عطلة الأسبوع، وفي أحد المكالمات الهاتفية أخبرته بكل مخاوفها وأنها تريد منه أن يتقدم لخطبتها ولم تتخيل قط أن رده سيكون مغايرا تماما لما تريده هي وأجابها دون تردد: "لما العجلة؟ أنتي تعرفين ظروفي وهذا ليس الوقت المناسب للإرتباط الرسمي، ربما بعد أشهر…توقف قليلا ثم أسهب في شرح الأسباب والعلل وهنا كانت كوثر تشعر بنوع من الدهشة لكنه نجح في إقناعها بالإنتظار وخلال الأشهر التي تلت تلك المكالمة تغير سليم كثيرا وكأنه ليس نفس الشخص الذي أوقع كوثر في شباكه، عاد إلى عاداته القديمة من كسل ونوم مفرط وتغزل في كل امرأة تزور مكتب المحاماة، انعدمت المكالمات التلفونية وحل محلها رسائل قصيرة عبر تطبيق الواتساب ثم توقفت هته الأخرى، أما اللقاءات اليومية فصارت أسبوعية ثم انعدمت تماما، صار سليم يتهرب من التواصل مع كوثر ولا يرد على رسائلها ولا اتصالاتها حتى زيارتها للمكتب لم يعد مرحب بها حتى وإن كانت للسؤال على مستجدات قضيتها. حاولت كوثر كثيرا معرفة أسباب تغير سليم معها وتجاهلها لها إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل وهنا قررت في لحظة جنون أن تذهب إلى بيته وتكلم والدته التي لم تبخل عليها بالحقيقة بل قالتها لها بدون تردد" إبنتي قد تكونين الفتاة رقم خمسين التي تزورني بنفس السؤال ولا أذكر العدد لأنني توقفت عن عد ضحايا إبني منذ أن كان بالجامعة…إذهبي يا ابنتي فأنتي لستي إلا ضحية لسليم المتلاعب الذي لم أستطع ردعه عما يفعله بقلوب بنات الناس، إن إبني لص قلوب ولا يكتفي بسرقتها بل يسعى جاهدا إلى تحطيمها…سامحيني لم أعرف أنه سيكون شيطانا عندما أنجبته" نزلت كلمات أم سليم على كوثر مثل الصاعقة فهي لم تتخيل يوما أنها ستكون ضحية تلاعب عاطفي وأنها كانت تحت تأثير حيلة انعكاس المرآة حيث أوهما سليم بتلونه كالحرباء أنه فارس الأحلام الذي تتوفر فيه كل الصفات التي تحبها كوثر وتحلم بها.


لم تقدر على التفوه بأي كلمة رغم أنها أرادت شكر الوالدة الصادقة قبل مغادرتها لكن الكلام خانها واستمرت في صمتها وهي تجر قدميها جرا وكأن تأثير الصدمة شل أطرافها لكنها قاومت ومشت نحو الطريق حتى تستطيع إيقاف سيارة أجرة للذهاب إلى عملها. في هذه اللحظات كانت الحياة قد توقفت داخل عالمها وحتى الدموع رفضت النزول وكأنها تعاقبها على تصديقها لذلك المتلاعب اللص الذي سرق قلبها ثم حطمه بدون رحمة. وسط كل الدمار الذي كانت تحس به داخلها شعرت بشيء جديد لم تعرفة من قبل وكانت تقول في نفسها" أكرهك يا سليم، كم أكرهك…"وفجأة توقفت عند الكلمة الأخيرة وأدركت معنى ما تقول وهنا سألت نفسها: "هل نشكر من علمنا كيف نكره؟ بعد أن كان الكره معنى مجرد بعيد يستعمله البعض لوصف مشاعر انسحابية يصاحبها اشمئزاز شديد، نفور وعداوة أو عدم تعاطف مع شخص ما أو شيء أو حتى ظاهرة معينة، حتى الساعة العاشرة والنصف لم اكن قد شعرت بهذا الشعور المؤلم من قبل ولكن بفضل سليم ودناوته أصبحت ملمة تماما بمعاني هذا الشعور الذي هو أقرب إلى المرض الذي تصاحبة حمى شديدة وهذيان. مرت الأيام على كوثر وهي في غرفتها مشلولة الحركة والتفكير معا ولكن لم تقبل بهذا الوضع وبعد فترة رجع العالم إلى حركته الدائمة لكن عقلها وقلبها بقيا حبيسي تلك اللحظة اللعينة التي صارت تعيشها مرارا وتكرارا، أما شعور النفور والاشمئزاز فلم يكون من نصيب سليم فقط فقد كانت كوثر تشعر بنفس المشاعر اتجاه نفسها التي سمحت لمثله بالتلاعب بمشاعرها رغم تحذير الكل لها منه.



يتبع…





103 views3 comments

Recent Posts

See All

3 comentarios

Obtuvo 0 de 5 estrellas.
Aún no hay calificaciones

Agrega una calificación
Obtuvo 5 de 5 estrellas.

Interesting

Me gusta

Obtuvo 5 de 5 estrellas.

hâte de lire la suite


😊bravo

Me gusta
Contestando a

❤️❤️

Me gusta
Post: Blog2_Post
bottom of page